الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

133

نفحات الولاية

القسم الأول أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ ؛ فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ . ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ : أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي ، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ . الشرح والتفسير : الكتاب الذي استوعب كل شيء أشار الإمام عليه السلام في مطلع الخطبة إلى الوضع على عهد الجاهلية والذي تزامن مع بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقال : « أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَةٍ « 1 » مِنَ الْأُمَمِ ، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ « 2 » » . ومضمون هذه العبارات من قبيل العلة والمعلول . فالفترة التي توسطت عصر ظهور الأنبياء السابقين وخاتمهم كان سبب نوم الغفلة الذي غطت فيه الأُمم وهذه الغفلة أدّت إلى ذلك الانتقاض المبرم ، بمعنى تقطع وشائج الحقائق ونظام الحياة البشرية التي وقعت في وحل المعصية والظلمة . ثم تطرق عليه السلام إلى بعثة النبي الخاتم والكتاب الذي جاء به مصدقاً لما بين يديه من الكتب السماوية : « فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ » . فقد قام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بمهمتين ؛ إنّه بيّن للناس المعارف والأحكام التي تنسجم مع الأصول الكلية لمعارف وأحكام من مضى من الأنبياء ، والأخرى حمله لمشعل الهداية الذي

--> ( 1 ) . « هجعة » من مادة ( هجوع ) النوم ليلًا ، ولما كان هذا النوم أعمق فقد شبه به أوضاع أقوام الجاهلية ( 2 ) . « مبرم » من مادة ( ابرام ) المحكم ، من ابرام الحبل إذا أحكم فتله ثم اطلق على مطلق الأعمال المحكمة